مصطفى لبيب عبد الغني

130

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ما تقتضيه على الدوام طبيعة الأمراض . ومن شأن هذه النظرة الجديدة أن يصبح تجاوز التعاليم الكلاسيكية والأصول المستقرة ممكنا من حيث المبدأ ، ويصبح هذا التجاوز محتوما بالفعل متى تلزم دواعيه عند عجز الأساليب التقليدية عن مواكبة الظروف المستحدثة . ونضع في الاعتبار « أن الأطباء لا يقيسون رقىّ الطب بما يكون فيه من إضافات جديدة وابتكار ، وإن كان ذلك يدخل في حساب التقدم الطبى ، وإنما نقيس الرقى الطبى بحسن تفهم طبيعة الأمراض وإدراك طبيعة الحالات التي تعرض لنا وحس التقدير والتدبير . ومقياس هذا الرقى النجاح في العلاج ؛ وهو في نهاية الأمر الغرض الأسمى للعلوم الطبية كلها » « 1 » . ولقد كانت خبرة الرازي أصدق من كليات الطب اليوناني ، « والذي يطلع على طب الرازي ووصفه للمشاهدات الطبية وطريقة تدبير ما عرض له من مشاكل لا يشك في أنه كان أعظم طبا من سابقيه جميعا لا نستثنى من ذلك أبقراط ولا جالينوس » « 2 » . والغربيون مدينون لكتاب « الحاوي » وأمثاله ، فهذا باب من أبواب الطب لم يعن به اليونان أتقنه العرب . والفضل في ذلك يرجع إلى الطبيب الموهوب الرازي : فهو الذي ابتدع علم التشخيص المقارن واستقصاء الدلالات والتمييز بين الأعراض المتشابهة ، وهو الذي قدّر أهمية التدوين في ذلك كله » « 3 » ، كما كان وهو الطبيب الفيلسوف « يمتلك فضولا وقدرة لا تنضب على الاندهاش ، ويرى جديدا في كل مريض حتى وإن تشابهت أو تطابقت الحالات المرضية ظاهريا . . . لأن كل حالة تفجر في ذهنه أسئلة لا تعد ولا تحصى » « 4 » .

--> ( 1 ) محمد كامل حسين : « الطب والأقرباذين » ، ص 276 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 271 . ( 3 ) المرجع السابق ص 276 . ( 4 ) راجع : محمد محمد المفتى في كتابه الدقيق الرشيق بعنوان : « العين والأنامل » .